الآلوسي
134
تفسير الآلوسي
وتقييد بدليل خارجي لا يقتضي اعتبار ذلك التخصيص أو التقييد في الراجع ، واستدل بالآية على أنّ قولهما يقبل فيما خلق الله تعالى في أرحامهن إذ لولا قبول ذلك لما كان فائدة في تحريم كتمانهن ، قال ابن الفرس : وعندي أنّ الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج من بكارة وثيوبة وعيب لأنّ كل ذلك مما خلق الله تعالى في أرحامهن فيجب أن يصدقن فيه ، وفيه تأمل : * ( إن كُنَّ يُؤْمنَّ بالله والْيَوْم الآخر ) * شرط لقوله تعالى : * ( لا يحل ) * لكن ليس الغرض منه التقييد حتى لو لم يؤمن كالكتابيات - حل لهنّ الكتمان - بل بيان منافاة الكتمان للإيمان وتهويل شأنه في قلوبهنّ ، وهذه طريقة متعارفة يقال : إن كنت مؤمناً فلا تؤذ أباك ، وقيل : إنه شرط جزاؤه محذوف - أي فلا يكتمن - وقوله سبحانه : * ( لا يحل ) * علة له أقيم مقامه ، وتقدير الكلام : إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ لأنه لا يحل لهن وفيه : " أن لا يكتمن المقدّر " إن كان نهياً يلزم تعليل الشيء بنفسه ، وإن كان نفياً يكون مفاد الكلام تعليق عدم وقوع الكتمان في المستقبل بأيمانهم في الزمان الماضي وهو كما ترى * ( وَبُعُولَتُهُنَّ ) * أي أزواج المطلقات جمع - بعل - كعم وعمومة ، وفحل وفحولة - والهاء - زائدة مؤكدّة لتأنيث الجماعة ، والأمثلة سماعية لا قياسية ، لا يقال : كعب وكعوبة ، قاله الزجاج . وفي " القاموس " : " البعل الزوج والأنثى - بعل وبعلة - والرب والسيد والمالك ، والنخلة التي لا تسقى أو تسقى بماء المطر " وقال الراغب : - البعل - النخل الشارب بعروقه ، عبر به عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص ، وقيل : باعلها جامعها ، وبعل الرجل إذا دهش فأقام كأنه النخل الذي لا يبرح ، ففي اختيار لفظ - البعولة - إشارة إلى أنّ أصل الرجعة بالمجامعة ، وجوّز أن يكون - البعولة - مصدراً نعت به من قولك : بعل حسن البعولة - أي العشرة مع الزوجة - أو أقيم مقام المضاف المحذوف ، أي وأهل بعولتهن * ( أَحَقُّ برَدّهنَّ ) * إلى النكاح والرجعة إليهن ، وهذا إذا كان الطلاق رجعياً للآية بعدها ، فالضمير - بعد اعتبار القيد - أخص من المرجوع إليه ، ولا امتناع فيه كما إذا كرّر الظاهر ، وقيل : بعولة المطلقات أحق بردّهنّ وخصص بالرجعي ، و * ( أحق ) * ههنا بمعنى - حقيق - عبر عنه بصيغة التفضيل للمبالغة ، كأنه قيل : للبعولة حق الرجعة ، أي حق محبوب عند الله تعالى بخلاف الطلاق فإنه مبغوض ، ولذا ولد للتنفير عنه : " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " وإنما لم يبق على معناه من المشاركة والزيادة إذ لا حق للزوجة في الرجعة كما لا يخفى . وقرأ أبيّ * ( بردّتهنّ ) * * ( في ذالكَ ) * أي زمان - التربص - وهو متعلق ب * ( - أحق ) * أو * ( بردّهنّ ) * * ( إنْ أَرَادُواْ إصْلَاحاً ) * أي إن أراد البعولة بالرجعة إصلاحاً لما بينهم وبينهن ، ولم يريدوا الإضرار بتطويل العدّة عليهنّ مثلاً ، وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز للإجماع على جوازها مطلقاً ، بل المراد تحريضهم على قصد الإصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفي بانتفائه * ( وَلَهُنَّ مثْلُ الَّذي عَلَيهنَّ بالمَعْرُوف ) * فيه صنعة الاحتباك ، ولا يخفى لطفه فيما بين الزوج والزوجة حيث حذف في الأول بقرينة الثاني ، وفي الثاني بقرينة الأوّل كأنه قيل : ولهنّ عليهم مثل الذي لهم عليهنّ ، والمراد - بالمماثلة - المماثلة في الوجوب - لا في جنس الفعل - فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ، ولكن يقابله بما يليق بالرجال ، أخرج الترمذي وصححه ، والنسائي وابن ماجة